التحديث الاخير (الخميس, 07 أغسطس 2008 11:12) كتب فهد الحميزي الخميس, 07 أغسطس 2008 11:00
المسألة الأولى :
زكاة الأجور والمرتبات :
وفيه عدة مطالب :
المطلب الأول :
مدخل :
لا يخفى على كل مسلم اليوم أن الأوراق النقدية في وقتنا هذا تقوم مقام الذهب والفضة التي وردت فيها الأحاديث ، وهي مقيسة عليها ، حيث أن العلّة الموجودة في الذهب والفضة موجودة في الأوراق النقدية ، وبالتالي تجب فيها الزكاة كما تجب في الذهب والفضة ، وهذا مدخل مهم ينبغي التنبيه عليه قبل الشروع في بحث هذه المسألة .
المطلب الثاني :
التكييف الفقهي لزكاة الأجور والمرتبات :
ممكن أن تكيف هذه المسألة على زكاة المال المستفاد، وهو ما عبر عنه العلماء بالمال المستفاد في أثناء الحول بشراء أو هبة أو وقف أو نحوها [1].
وقد قال بهذا التكييف من المعاصرين عطية محمد سالم [2]، والقرضاوي [3] وغيرهم.
والخلاف في المسألة قديم وعليها تبني زكاة الأجور والمرتبات .. ، فأصبح لزاماً أن نفصل في المسألة الأصل والفرع بعد ذلك تبع له.
المطلب الثالث :
متى يزكى المال المستفاد:
القول الأول: ذهب جمهور العلماء إلى أن المال المستفاد لا تجب فيه الزكاة إلا إذا مر عليه عام قمري وسنة هجرية كاملة من يوم استفادته.
بمعنى: أنه لا يضيف ما استفاد منه إلى جنس أصله، وإنما يستأنف به حولاً جديداً خلافاً للحنفية الذين قالوا بأنه يضيف ما استفاده إلى جنس أصله الذي عنده ويخرج الزكاة من الجميع إذا حال حوله بمجيء شهر زكاته.
وممن قال بهذا الرأي من الصحابة: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وعائشة، رضي الله عنهم أجمعين.
وممن قال به من الفقهاء ابن قدامة رحمه الله حيث قال "فإن استفاد مالاً مما يعتبر له الحول، ولا مال له سواه، وكان نصاباً، أو كان له مال من جنسه لا يبلغ نصاباً، فبلغ بالمستفاد نصاباً، ، انعقد عليه حول الزكاة من حينئذ، فإذا تم حول وجبت الزكاة فيه، وإن كان عنده نصاب لم يخل المستفاد من ثلاث أقسام: أحدها: أن يكون المستفاد من نمائه كربح مال التجارة، ونتاج السائمة، فهذا يجب ضمه إلى ما عنده من أصله، فيعتبر حول بحوله، لا نعلم فيه خلافاً، لأنه تبع له من جنسه، فأشبه النماء المتصل، وهو زيادة قيمة عروض التجار. الثاني: أن يكون المستفاد منه من غير جنس ما عنده، فهذا له حكم نفسه، لا يضم إلى ما عند في حول ولا نصاب ... " [4].
أدلة أصحاب القول الأول:
1. ما روته عمرة بنت عبدالرحمن عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت في المال المستفاد: "لا يزكى حتى يحول عليه الحول" [5].
2. ما روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، حيث قال: " من استفاد مالاً فلا يزكيه حتى يحول عليه الحول" [6].
وكذلك استدلوا بعموم الأحاديث الواردة في اشتراط الحول في زكاة المال، لأن هذه الأحاديث يجب الأخذ بعمومها في كل مالٍ مستفاداً أو غير مستفاد وإن كانت هذه الأحاديث لا تخلو من مقال لكن بمجموعها تتقوى وتعضد بعضها لتصلح للاستدلال. وقال أيضاً: "فإذا استفاد مالاً فلا زكاة فيه حتى يتم عليه الحول، إلا نتاج السائمة،وربح التجارة، ، فإن حولهما حول أصلهما إن كان نصاباً، فحوله من حيث كمل النصاب" [7].
قال في الإنصاف: هذا هو المذهب وعليه الأصحاب [8].
القول الثاني:
ذهب بعض العلماء إلى أن المال المستفاد يزكى عند استفادته، بلا اشتراط للحولية. وممن صح عنه هذا القول من الصحابة ابن عباس ومعاوية رضي الله عنهما [9]، وروي عن مكحول والأوزاعي [10] وغيرهم [11].
أدلة أصحاب القول الثاني:
استدلوا بعده أدلة عقلية وعمومات شرعية ولم ينصوا على دليل يكون عمدة وفيصلاً في المسألة ولعل أقوى أدلتهم:
(أنه أقرب إلى عموم النصوص وإطلاقها، إذ النصوص الموجبة للزكاة في القرآن والحديث جاءت عامة مطلقة وليس فيها اشتراط الحول مثل": (هاتوا ربع عشر أموالكم)، (وفي الرقة ربع العشر)، ويؤيد ذلك عموم قوله تعالى: (وأنفقوا من طيبات ما كسبت) [12] [13].
ويمكن الإجابة عن هذا الدليل بأن هذه النصوص لا يمكن الأخذ بها على الإطلاق، لأنه يوجد أدلة تخصصها، فكما خصصت هذه الأدلة بالأنصبة كذلك تكون مخصصة بأدلة الحول .
الترجيح :
والراجح في هذه المسألة والله أعلم هو القول الأول لقوة ما ستدل به أصحاب هذا القول، وليس للقول الثاني حجة قوية أو نص يدعم قولهم.
المطلب الرابع :
كيف تزكى رواتب الموظفين:
بعد هذا العرض المختصر لأراء الفقهاء في مسالة المال المستفاد فإن ما قيل في المال المستفاد ينساق على قولنا في زكاة رواتب الموظفين فعلى قول الجمهور: تجب الزكاة إذا مر على هذا المستفاد عام قمري وسنة هجرية.
وقد جاء في المؤتمر الأول للزكاة والذي انعقد في دولة الكويت عام 1404هـ ما نصه: (.. هذا النوع من المكاسب ذهب أغلب الأعضاء إلى أنه ليس فيه زكاة حين قبضه، ولكن يضم الذي كسبه إلى سائر ما عنده من الأموال الزكوية في النصاب والحول فيزكيه جميعاً عند تمام الحول منذ تمام النصاب، وما جاء في هذه المكاسب أثناء الحول يزكى في آخر الحول، ولو لم يتم حول كامل على كل جزء منها، وما جاء منها ولم يكن عند كاسبه قبل ذلك نصاب، يبدأ حوله من حين تمام النصاب عنده، وتلزمه الزكاة عند تمام الحول من ذلك الوقت، ونسبة الزكاة في ذلك ربع العشر (2.5%) لكل عام..) [14].
فعلى ذلك إذا بلغ المال نصاباً، وحال عليه الحول بأن مضت عليه سنة قمرية من وقلت بلوغه النصاب، وجبت الزكاة حينئذ، والنصاب هو ما يعادل 85 جراماً من الذهب أو 595 جراماً من الفضة، والقدر الواجب إخراجه في الزكاة هو ربع العشر (2.5%). فإذا كان المال أثناء الحول فالعمل فيه بالتفصيل الآتي:
• إن كانت هذه الزيادة ناتجة عن الأصل فيزكى جميع المال حينئذ، لأن ربح المال تابع لأصله.
• وإن كانت هذه الزيادة جاءت على سبيل التدرج كالمال المدخر من الراتب الشهري فالمزكي بالخير بين أن يزكي ماله مع أول ابتداء الحول وبين أن يجل لكل مال مستفاد حولاً خاصاً مع أن هذا العمل فيه مشقة لأنه سيخرج عدة مرات في السنة.
هذا ما تيسر جمعه في هذه المسألة والله تعالى أعلم وأحكم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
المسألة الثانية :
زكاة كسب أصحاب المهن الحرة:
الكلام في هذه المسألة ليس بعيداً عن المسألة السابقة في زكاة الأجور والمرتبات لا من حيث قياس المسألة على المال المستفاد، ولا من حيث التطبيقات العملية لإخراج الزكاة بعد حولان الحول ولم أجد من العلماء من فرق بين المسألتين إلا ما قال به أحد المتأخرين باعتبار نصاب الرواتب والأجور على النقود في تحديد قيمة النصاب، واعتبار نصاب إيرادات المهن الحرة على الزرع والثمار فيكون نصباها ما يعادل خمس أوسق أو (653) كيلو جرام وزناً من أدنى ما تخرجه الأرض كالشعير. [15]
وعلة التفريق في هذا – عنده – أن كسب أصحاب الرواتب والأجور مصدره العمل فقط، أما كسب المهن الحرة فمصدره رأس المال والعمل ، وهذا التفريق عليه مدخل من حيث أن قيمة الزرع والثمار تتأثر بالعوامل البيئية والاجتماعية بخلاف قيمة النقود التي عمادها على الذهب والفضة.
كذلك من الغريب أن يقاس كسب أصحاب المهن الحرة على مسألة خاصة بالإجارة على مذهب الإمام أحمد، فقد روي عنه أنه قال فيمن أجر داره، فقبض كَِرها، وبلغ نصاباً: إنه يجب عليه الزكاة إذا استفاده من غير اشتراط، وأن هذا في الحقيقة تشبه كسب العمل، فتجب الزكاة فيه إذا بلغ نصاباً [16].
ونص المسألة كما قال ابن قدامة: "روي عن أحمد فيمن باع داره – أي أجره- بعشرة آلاف إلى سنة إذا قبض المال يزكيه إنما نرى أن أحمد قال ذلك لأنه ملك الدراهم في أول الحول، وصارت دينا له على المشتري – أي المستأجر- فإذا قبضه زكاه للحول الذي مر عليه في ملكه، كسائر الديون، وقد صرح بهذا المعنى في رواية بكر بن محمد عن أبيه فقال: "إذا أكرى داراً أو عبداً في سنة بألف، فحصلت له الدراهم وقبضها، زكاها إذا حال عليها الحول من حين قبضها، وإن كانت على المكتري فمن يوم وجب) [17].
كيف يزكي كسب أصحاب المهن الحرة:
يقال فيه كما قيل في زكاة رواتب الموظفين ويزاد على ما ذكر:
بأنه إذا كان هناك زيادة ليست ناتجة عن الأصل، وإنما هي مال استفيد بطريق آخر كمن باع شيئاً أو وهِبَه، فإنه يُحسب له حول مستقبل يبدأ من يوم امتلاك هذه الزيادة، وإن أراد تعجيل زكاتها فلا حرج عليه.
ولعلنا في ختام هذه المسألة أن نستأنس ببعض القوانين المعمول بها في نظام المملكة العربية السعودية، فقد نص مرسوم فريضة الزكاة فيها رقم (8634) لعام 1370هـ، ولائحته التنفيذية الصادرة بالقرار الوزاري رقم (93) وتاريخ 6/8/1370هـ، وما لحق ذلك من مراسيم وتعديلات بإحضار رؤوس الأموال وغلاتها، وكل الواردات والأرباح والمكاسب التي تدخل على الأفراد والشركات من مزاولة تجارة أو صناعة، أو أعمال شخصية أو ممتلكات ومقتنيات نقديَّة [18].
وحاء في ندوة الغرفة التجارية الصناعة بالرياض المنعقدة في 15/6/1411هـ ما نصه: (.. ويستند نظام جباية فريضة الزكاة على مجموعة من الخصائص أهمها: نظام جباية وفقاً لأحكام الشريعة الإسلامية فالنظام لم يقصر في جباية الزكاة على عروض التجارة فقط. بل شمل جميع الأموال سواء كانت ثروة عقارية، أو صناعية أو مالية. وهذه الأموال يمكن تقسيمها إلى ثلاث مجموعات متميزة، بحيث تتضمن كل مجموعة منها الأموال ذات الخصائص المشتركة:
1. الأولى: رؤوس الأموال المنقولة، كالأغنام والنقود وعروض التجارة والأوراق المالية.
2. الثانية: ويشمل الأموال الثابتة، كالزروع والثمار والمستغلات كالعقار والمصانع.
3. الثالثة: وتشمل المال المستفاد، ككسب العمل، والرواتب والأجور والمكافآت، والمحامون .. وغيرهم من أصحاب المهن الحرة والحِرَف.
هذا وصلى الله وسلم على نبينا محمد
المسألة الثالثة :
زكاة جمعية الموظفين :
هذه المسألة من المسائل التي يكثر في هذا الوقت وقوعها والسؤال عنها ، وهي محل خلاف بين أهل العلم ، ولذا سنأخذ المسألة بشيء من التأصيل وستنتاول فيها عدة مباحث على النحو التالي :
• المطلب الأول : صورة جمعية الموظفين .
• المطلب الثاني : حكم جمعية الموظفين .
• المطلب الثالث : زكاة الديــون .
• المطلب الرابع : زكاة جمعية الموظفين .
المطلب الأول : جمعية الموظفين لها ثلاث صور :
الصورة الأولى : أن يتفق عدد من الأشخاص على أن يدفع كل واحد منهم مبلغاً من المال متساوياً عند نهاية كل شهر أو شهرين حسب ما يتفقون عليه .
الصورة الثانية : أن يتفق عدد من الأشخاص على أن يدفع كل واحد منهم مبلغاً من المال متساوياً عند نهاية كل شهر أو شهرين مع اشتراط ألاّ ينسحب منهم حتى تنتهي الدورة ..
الصورة الثالثة : كالصورة الثانية إلاّ أن الجمعية تنتهي لأكثر من دورة ، دورتان أو ثلاث أو أكثر .
المطلب الثاني : حكم جمعية الموظفين :
بناءاً على التفصيل السابق فقد اختلف العلماء فيها على قولين :
القول الأول :
أنها معاملة جائزة ولا بأس فيها – وعليه أكثر أهل العلم من المعاصرين وعلى رأسهم الشيخ عبدالعزيز بن باز [19] والشيخ محمد بن عثيمين [20] رحمهما الله.
واستدلوا على ذلك بأنه من باب التعاون ، أخذاً من حديث الأشعريين الذي رواه البخاري ، والذي جاء فيه : ( إن الأشعريين إذا أرملوا في الغزو ، أو قل طعام عيالهم
بالمدينة جمعوا ما كان عندهم في ثوب أحدهم واقتسموه بينهم في إناء واحد بالسوية ، فهم مني وأنا منهم ) .
واستدلوا أيضاً بالأصل ، وأن الأصل في المعاملات الحل .
القول الثاني :
أنها معاملة محرمة لا تجوز ، ومن أشهر من قال بهذا القول الشيخ صالح الفوزان .
واستدلوا على ذلك بأن قالوا : القرض في هذه الجمعية قرض مشروط فيه القرض من الآخر فهو قرض جر نفعاً ، فهو ربا ويمكن أن يجاب على هذا الدليل بأنه لا يلزم أن يكون أي قرضِ جر نفعاً فهو محرم ، بل أجاز بعض الصحابة بعض المنافع للمقرض مثل مسألة السفتجة [21].
الترجيح :
لعل الراجح والله أعلم القول الأول ، وقد خلص قرار هيئة كبار العلماء في دورته الرابعة والثلاثين المنعقدة في مدينة الطائف قرار رقم ( 164 بتاريخ 26/2/1410هـ ) بالجواز ، وجاء في نص القرار : ( . . . لم يظهر للمجلس بالأكثرية ما يمنع هذا النوع من التعامل ، أن المنفعة التي تحصل للمقرض لا تنقص المقترض شيئاً من ماله وإنما يحصل المقترض على منفعة مساوية لها ، ولأن فيه مصلحة لهم جميعاً من غير ضرر على واحدٍ منهم أو زيادة نفع للآخر والشرع المطهر لا يرد بتحريم المصالح التي لا مضرة فيها على أحد ، بل ورد بمشروعيتها ) .
المطلب الثالث : الحكم في زكاة الديــون :
القول الأول :
قال الحنفية : بأن الدين ثلاثة أقسام : قوي ومتوسط وضعيف .
فالقوي ما كان بسبب قرض أو تجارة على معترف به ، ولو مفلساً ، والمتوسط : ما ليس دين تجارة كطعام وشراب وحاجة أصلية ، والضعيف : ما كان مقابل غير المال كالمهر وبدل الخلع ، والدين القوي تجب زكاته كلما قبض منه أربعين درهماً [22]
القول الثاني :
قال الحنابلة : إذا كان الدين على معترف به باذل له – فعلى صاحبه زكاته إذا قبضه ويؤدي لما مضى ، أما الدين على معسر وجاحد أو مماطل – ففيه روايتان [23] ، وقال بهذا القول من المتأخرين الشيخ بن عثيمين [24] .
القول الثالث :
قول الشافعية : يزكى الدين إذا كان ثابتاً ، وكان من نوع الدراهموالدنانير وعروض التجارة ، لا ماشية وطعاماً ، سواء كان حالاًّ أو مؤجلاً . [25]
القول الرابع :
قول المالكية : يزكى الدين بعد قبضه لسنة فقط ، إن لم يؤخره فراراً من الزكاة [26]وقال بهذا القول من المعاصرين فضيلة الشيخ عبدالله بن جبرين حفظه الله .
القول الخامس :
قول الظاهرية : لا زكاة فيه مطلقاً ، وهو رواية عن أحمد .
الترجيح :
الراجح والله أعلم هو القول الثاني ، وبه جاء قرار مجمع الفقه الإسلامي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي رقم ( 1/2 ) بتاريخ 16/4/1406هـ ، وجاء فيه ( بعد النظر في الدراسات المعروضة حول زكاة الديون وبعد المناقشة المستفيضة التي تناولت الموضوع من جوانبه المختلفة وتبين منها :
أولاً : أنه لم يرد نص من كتاب الله تعالى أو سنة رسوله r يفصل زكاة الديون .
ثانياً : أنه قد تعدد ما أثر من الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم من وجهات نظر في طريقة إخراج زكاة الديــــــــــــــون .
ثالثاً : أنه قد اختلفت المذاهب الإسلامية بناءاً على ذلك اختلافاً بيناً .
رابعاً : أن الخلاف قد بني على الاختلاف في قاعدة هل يعطى المال الذي يمكن عليه صفة الحاصل .
قرر ما يلي :
أولاً : تجب زكاة الدين على رب الدين عن كل سنة إذا كان المدين مليئاً باذلاً .
ثانياً : تجب الزكاة على رب الدين بعد دوران الحول من يوم القبض إذا كان المدين معسراً أو مماطلاً ) [27]
وفقه هذه المسألة في القدرة على المال ، فإن كان المال كأنه بيدك وجبت الزكاة ، وإن كان المال كأنه مفقود فحينئذ لا زكاة فيه .
المطلب الرابع : زكاة جمعية الموظفين :
بناء على الترجيح السابق في مسألة زكاة الديون ، فإن الزكاة إجمالاً تكون كزكاة مرجوّ المجيء ، وعلى هذا فلا يزكي إلا الدائن ، والمدين لا يزكي الدين الذي عليه ، بل يزكي الذي له .
وقد ذكر أبو عبيد في كتاب الأموال اتفاق فقهاء العراق وفقهاء الحجاز على أن المدين لا يزكي ( هذا على وجه الإجمال )وعلى وجه التفصيل فإن الداخل في هذه الجمعية لا يخلو من ثلاث حالات :
الأولى : أن يكون في أول القائمة ، فهذا لا زكاة عليه إلاّ إذا ترك هذا المال حتى حال عليه الحول ، فحينئذ يجب عليه أن يخرج الزكاة عند حولان الحول .
الثانية : أن يكون في وسط الجمعية ، كما لو قبضها بعد ستة أشهر مثلاً ، فهذا إن قبضها واستهلكها قبل تمام الحول فلا زكاة عليه ، أما لو أبقاها حتى مضى عليه حول من الشهر الذي دفعت فيه أخرج زكاتها حينئذ .
الثالثة : أن يكون في آخر الجمعية ، وهذا لا يخلو من أمرين :
1. أن يأخذ الجمعية بعد تمام الحول فهذا يجب أن يخرج عن الشهر الأول الذي دفعه – إن كان يبلغ نصاباً – فإن استهلك المال فلا شيء عليه .
2. إذا لم يستهلك المال فإنه يزكي كل شهر حال عليه الحول .
والله أعلم ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد ، ، ،
المسألة الرابعة :
زكاة مكافأة نهاية الخدمة :
تمهيد:
أدركت الدول العصرية أن مصلحة استقرار الحكم والأوضاع الاقتصادية ومبادئ العدالة تقتضي توفير نوع من الضمان والأمان للعمال، فسنت قوانين تنظم علاقاتهم بأرباب العمل، وأصدرت بعض التشريعات التي توفر للعمال بعض الضمانات المالية عند انتهاء خدماتهم، واتخذ ذلك صوراً تشريعية وتنظيمية مختلفة، بعضها يوجب دفع مبلغ مقطوع للعامل عند إنتهاء خدمته يسمى مكافأة نهاية الخدمة، وبعضها يوجب رواتب شهرية للعامل ما دام علي قيد الحياة، ولورثته الذين كانوا تحت إعالته بعد وفاته، وهو ما يسمى بالراتب التقاعدي( [28]).
وعند البحث في هذه المسألة للخروج إلى التكييف الشرعي لها، لابد أولاً من عرض المسائل الجزئية والتي ننطلق منها إلى حكم المسألة الكلي :
المطلب الأول :
تعريف مكافأة نهاية الخدمة:
مكافأة نهاية الخدمة: هي حق مالي أوجبه ولي الأمر بشروط محددة على رب العمل لصالح الموظف عند انتهاء خدمته( [29]).
المطلب الثاني :
خصائص هذه المكافأة وسماتها :
الأنظمة المنظمة لهذه المكافأة جعلت لها سمات وخصائص:
السمة الأولى: أن هذه المكافأة أمر واجب فرضه ولي الأمر على رب العمل لصالح الموظف ولا يخضع في أصل وجوبه ولا صفته إلى إرادة طرفي العقد، وترجع هذه الخصيصة إلى أن هذه المكافأة فرضتها قوانين العمل، حماية للطرف الضعيف في عقد العمل، وهو العامل، أمام الطرف القوى في ذلك العقد، وهو رب العمل، فلا تتاح له الفرصة باستغلال أو انتقاص حق الطرف الآخر وإن رضي بذلك، فإذا أنهى الموظف خدمته فإن هذه المؤسسة أو الشركة يجب أن تدفع لهذا الموظف كذا وكذا من المال( [30]).
السمة الثانية: أن مقدار مكافأة نهاية الخدمة يتحدد بناءً عل سبب انتهاء خدمته ومدة الخدمة ومقدار الراتب الأخير له أثر في كثرة هذه المكافأة أو قلتها( [31]).
السمة الثالثة: وهذه مهمة جداً ولها أثر في زكاة هذه المكافأة أن وقت استحقاق الموظف للمكافأة عند نهاية خدمته فلا يحق له أن يطالب بها قبل انتهاء خدمته كما أنه أيضاً لا يجوز له أن يتنازل عنها، لأن حقه في المكافأة لا ينشأ إلا عند انتهاء عقد العمل ، وقبل ذلك لا يكون حقه قد تولد ، وليس للإنسان أن يتصرف بحق موعود به قبل تحققه( [32]).
السمة الرابعة: أن هذه المكافأة يستحقها الموظف إذا انتهت خدمته أثناء حياته أما إذا انتهت خدمته بسبب الوفاة فيستحق المكافأة من يعولهم هذا الموظف دون التقيد بقواعد الإرث الشرعية بمعنى أن الذين لا يعولهم الموظف لا يستحقون شيئاً من هذه المكافأة ولو كانوا وارثين . وهذه أيضاً لها أثر في بيان كيفية زكاة هذه المكافأة( [33]).
المطلب الثالث :
التكييف الفقهي لزكاة مكافأة نهاية الخدمة:
للشريعة الإسلامية مناهجها في تحقيق مقاصدها، ويلاحظ في اختيار الوسيلة إلى تحقيق مقصد شرعي ما أن تكون متلائمة مع مناهجها، ونازلة على قواعدها وأصولها، وما دام المقصد من تشريع نظام هذه المكافأة معتبراً في الشريعة، فإن الواجب هو البحث لها عن تخريج يتفق مع النظم الشرعية وقواعدها العامة( [34]). وبالنظر في هذا الأمر نجد أن المتأخرين قد اختلفوا في ذلك على أقوال:
القول الأول: أن مكافأة نهاية الخدمة هي أجرة مؤجلة ويعللون ذلك بأن رب العمل سواء كانت مؤسسة حكومية أو كانت شركة أثناء تعاقده مع هذا الموظف يلاحظ قدر هذه المكافأة وكذلك قدر الراتب مما يدل عل أنها أجرة مؤجلة.
القول الثاني: أنها تأمين من مخاطر انتهاء العقد يعني أن هذا الموظف عند انتهاء خدمته يحتاج إلى شيء من المال واستدلوا بأن هذه المكافأة فيها خصائص التأمين ففيها مُؤَمَّن ومُؤَمَّن عليه وقسط التأمين والنتيجة .
القول الثالث: بأنها تبرع أو التزام بالتبرع.
القول الرابع: أنه حق مالي أوجبته الدولة للموظف واستدلوا على ذلك قالوا : بأن من حق الإمام الأعظم أن ينشئ بعض الحقوق والواجبات على الرعية وللرعية إذا كان هناك مصلحة .
ولعل القول الراجح من هذه الأقوال والله أعلم هو القول القائل بأنها حق مالي أوجبته الدولة للموظف .
المطلب الرابع :
كيف تزكى مكافأة نهاية الخدمة :
إذا أنهى الموظف وظيفته بسبب الاستقالة أو بسبب التقاعد أو بسبب الوفاة وأخذ هذه المكافأة من يعولهم الموظف ، فكيف زكاة هذه المكافأة ؟
نقول: من خلال ما ذكرنا من خصائص هذه المكافأة وتكييفها الشرعي تبين لنا أن الموظف يمتلك هذه المكافأة بعد نهاية خدمته وقَبْضِه لهذه المكافأة ، فإذا انتهت خدمته وقبض هذه المكافأة أو قبضها من يعولهم نقول الآن ابتدأ عليها حول الزكاة أما حين القبض فإنه لا زكاة فيها إلا إذا قلنا على الرأي الأول إذا قلنا بأنها أجرة مؤجلة فإذا قبضها يزكيها مباشرة .
أما إذا قلنا على الرأي الأخير وهو الذي رجحناه وأنها حق مالي توجبه الدولة للموظف أو أنها التزام بالتبرع نقول على هذين الرأيين بأن الموظف إذا قبض هذه المكافأة بعد نهاية خدمته فإنه يستأنف بها حولاً مستقلاً فإن استهلكها قبل الحول فلا زكاة فيها وإن حال عليها الحول وهي عنده فإن فيها الزكاة ويرجح هذا القول ويعضده :
أولاً : أن الْمُصْدِر لهذه المكافأة بيَّن وقت استحقاقها وأن الموظف لا يستحقها إلا عند نهاية خدمته فالآن ملكها أما قبل ذلك فإنه لا يستحقها ولا يجوز له أن يتنازل عنها ولا يجوز له أن يتصرف فيها بشراء ونحو ذلك فإنه لا يستحقها إلا عند نهاية خدمته وإن كان كذلك فلا تجب فيها الزكاة إلا بعد أن يحول عليها الحول .
ثانياً : أن الموظف لا يملك أن يتصرف في هذه المكافأة ولا يملك أن يشتري فيها ، فمثلاً لو كان يستحق عند نهاية خدمته مبلغ مئة ألف ريال لا يملك أن يشتري فيه ولا يملك أن يتنازل عنها مما يدل على أنه لا يملكها إلا عند نهاية خدمته وحينئذٍ تدخل في ملكه وبالتالي فإنه يحتاج إلى أن يحول عليها الحول .
ثالثاً : أن الموظف لو كان سبب ترك وظيفته هو الوفاة فإنه لا يستحق هذه المكافأة وإنما يستحقها من يعولهم هذا الموظف .
رابعاً : أن هذه المكافأة غير مستقرة فقد يحرمها الموظف حسب الشروط والأنظمة التي سنت هذه المكافأة فقد يكون عند الموظف أخطاء تقتضي أن يحرم من هذه المكافأة .
الترجيح : أن هذه المكافأة التي يقبضها الموظفون سواءً كانوا تابعين لمؤسسات الدولة أو تابعين للشركات الأخرى أن هذه المكافأة لا تجب فيها الزكاة إلا بعد أن يحول عليها الحول من ابتداء استلامها فإن استهلكوها قبل الحول فإنه لا زكاة فيها . والله تعالى أعلم .
| < السابق | التالى > |
|---|